السيد هاشم البحراني
415
البرهان في تفسير القرآن
أمانة ، ولا أشبهوكم في الصور ، وليس شيء أشد « 1 » على المؤمن من أن يرى صورة عدوه مثل صورته » . قلت : يا بن رسول الله ، فما صنع بالطينتين ؟ قال : « مزج بينهما بالماء الأول والماء الثاني ، ثم عركها عرك الأديم ، ثم أخذ من ذلك قبضة ، فقال : هذه إلى الجنة ولا أبالي وأخذ قبضة أخرى ، وقال : هذه إلى النار ولا أبالي ثم خلط بينهما ، فوقع من سنخ المؤمن وطينته على سنخ الكافر وطينته ، ووقع من سنخ الكافر وطينته على سنخ المؤمن وطينته . فما رأيته من شيعتنا من زنا أو لواط أو ترك صلاة أو صيام أو حج أو جهاد ، أو جناية « 2 » ، أو كبيرة من هذه الكبائر ، فهو من طينة الناصب وعنصره الذي قد مزج فيه ، لأن من سنخ الناصب وعنصره وطينته اكتساب المآثم والفواحش والكبائر ، وما رأيت من الناصب ، ومواظبته على الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وأبواب البر ، فهو من طينة المؤمن وسنخه الذي قد مزج فيه ، لأن من سنخ المؤمن وعنصره وطينته اكتساب الحسنات واستعمال الخير واجتناب المآثم . فإذا عرضت هذه الأعمال كلها على الله عز وجل ، قال : أنا عدل لا أجور ، ومنصف لا أظلم ، وحكم لا أحيف ولا أميل ولا أشطط ، ألحقوا الأعمال السيئة التي اجترحها المؤمن بسنخ الناصب وطينته ، وألحقوا الأعمال الحسنة التي اكتسبها الناصب بسنخ المؤمن وطينته ، ردوها كلها إلى أصلها ، فإني أنا الله لا إله إلا أنا عالم السر وأخفى ، وأنا المطلع على قلوب عبادي ، لا أحيف ولا أظلم ، ولا الزم أحدا إلا بما عرفته منه قبل أن أخلقه » . ثم قال الباقر ( عليه السلام ) : « يا إبراهيم ، اقرأ هذه الآية » قلت : يا بن رسول الله ، أية آية ؟ قال : « قوله تعالى : قالَ مَعاذَ اللَّه أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَه إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ) * « 3 » هو في الظاهر ما تفهمونه ، وهو - والله - في الباطن هذا بعينه . يا إبراهيم ، إن للقرآن ظاهرا وباطنا ، ومحكما ومتشابها ، وناسخا ومنسوخا » . ثم قال : « أخبرني - يا إبراهيم - عن الشمس إذا طلعت ، وبدأ شعاعها في البلدان ، أهو بائن من القرص ؟ » قلت : في حال طلوعه بائن . قال : « أليس إذا غابت الشمس اتصل ذلك الشعاع بالقرص حتى يعود إليه ؟ » قلت : نعم . قال : « كذلك يعود كل شيء إلى سنخه وجوهره وأصله ، فإذا كان يوم القيامة ، نزع الله عز وجل سنخ الناصب وطينته مع أثقاله وأوزاره من المؤمن ، فيلحقها كلها بالناصب ، وينزع سنخ المؤمن وطينته مع حسناته وأبواب بره واجتهاده من الناصب ، فيلحقها كلها بالمؤمن ، أفترى ها هنا ظلما أو عدوانا ؟ » قلت : لا ، يا بن رسول الله . قال : « هذا - والله - القضاء الفاصل ، والحكم القاطع ، والعدل البين ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، هذا - يا إبراهيم - الحق من ربك ، فلا تكن من الممترين ، وهذا من حكم الملكوت » . قلت : يا بن رسول الله ، وما حكم الملكوت ؟ قال : « حكم الله وحكم أنبيائه ، وقصة الخضر وموسى ( عليهما السلام ) حين استصحبه ، فقال : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
--> ( 1 ) في المصدر : أكبر . ( 2 ) في المصدر : أو خيانة . ( 3 ) يوسف 12 : 79 .